القرطبي

412

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزله من السماء فاختلط نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شئ مقتدرا ( 45 ) قوله تعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا ، أي شبهها . ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ) أي بالماء . ( نبات الأرض ) حتى استوى . وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء ، لان النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر . وقد تقدم هذا المعنى في " يونس ( 1 ) " مبينا . وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا ، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله ، إني أريد أن أكون من الفائزين ، قال : " ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغى " . وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه " . ( فأصبح ) أي النبات ( هشيما ) أي متكسرا من اليبس متفتتا ، يعنى بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه . والهشم : كسر الشئ اليابس . والهشيم من النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء . ومنه قولهم : ما فلان إلا هشيمة كرم ، إذا كان سمحا . ورجل هشيم : ضعيف البدن . وتهشم عليه فلان إذا تعطف . واهتشم

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 326 .